محمد غازي عرابي
644
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سواء ، ثم تفرد عن الحيوان بالفهم ، وهنا مر بمرحلة تجريد للمحسوسات نفسها ، وهذا فعل فاعل هو العقل الفعال الذي بدأ برسم المعقولات على شاشة العقل المادي فتطور حياة الإنسان من إنسان الغابة إلى إنسان القرية ، إلى إنسان المدينة ، إلى إنسان التجريد ، إلى الإنسان المتأله الذي هو ظهور الإنسان الكامل ، فلو لا اللّه وعقله الفعال ما تميز الإنسان عن الحيوان وتأنس . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 64 ] لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 ) [ الحج : 64 ] اللّه مليك سماء الروح والمعقولات وأرض الأبدان وهو غني عنها أيضا ، والسبب كونه الواجب بذاته والمتجوهر بذاته كما قال الفارابي ، والذي استتم له وجوده في نفسه ثم حصل منه وجود آخر تقوّم به كما قال السهروردي ، والذي هو مقصور بذاته فهو علة ذاته كما قال اسبينوزا ، والتعريفات تظهر أن اللّه هو الأول والآخر ، وأنه ليس كمثله شيء . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 65 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 65 ) [ الحج : 65 ] جمع الإنسان بين أرض البدن وفلك المعقولات ، وعام في بحر الوجود المطلق باعتباره ظهورا للوجود المطلق ، ولهذا قال ابن عربي : وتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى الفلك الأكبر والتسخير هو كون الإنسان الظهور الإلهي نفسه فاستفاد الوجود والعقل والعلم منه ، فلو لا البدن ما كان لفلك المعقول أن يكون ، فالبدن بمثابة خشب الفلك ، أو كما يقال في الفلسفة الهيولى الكلية ، ولولا المعقول ما تعلم الإنسان شيئا عن طريق العقل الخالص نفسه ، فأعظم مخلوق استفاد من اللّه وجوده الحسي والعقلي هو الإنسان ، ولهذا فضل على بقية المخلوقات بل ورفع فوق الملائكة درجة فسجدت له لأنها ، وهي المعقولات ، ما كانت لتمارس دورها ، فشأن الإنسان عظيم ، وهذا معنى الأمانة التي عرضها اللّه على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان وحده . وقوله سبحانه : وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، يعني صلة المعقول بالمحسوس نفسه ، وقالت الفلاسفة والصوفية إن النفس ليست في البدن بل هي مجاورة لا ملاصقة ولا مفارقة ولها الأمر والتدبير . . وهذا الخيط الرفيع بين المعقول والمحسوس هو الذي يمسك به اللّه كفاعل ويظهره الإنسان كحامل ومحمول ، والعملية كلها إلهية إذ للّه الفعل